تتناول هذه المحادثة الدور المتناقض للمؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في تأثير صياغة السياسات الاقتصادية للدول النامية، لا سيما في سياق السودان. نستكشف كيف أن هذه المؤسسات، وراء واجهة تقديم المساعدة، غالبًا ما تشجع الحكومات على فرض سياسات تقشفية تضر بالاقتصادات المحلية وتفاقم أوجه الظلم الاقتصادي والاجتماعي. من خلال هذه المقابلة مع ميادة حسانين، سنأخذ تجربة السودان مثالاً لنحلل كيف ساهمت الضغوط التي مارستها هذه المؤسسات في تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. كما سنتطرق إلى مناقشة دور المجتمع المدني والقوى الثورية في مواجهة هذه السياسات، والسعي لبناء بدائل أكثر عدالة. تتبع هذه المقابلة جلسة تعليمية قدّمتها ميادة حسانين عن المؤسسات المالية الدولية، يمكن مشاهدتها كاملة هنا.
*ميادة حسانين هي اقتصادية حاصلة على درجة البكالوريوس من جامعة الخرطوم ودرجة الدراسات العليا في اقتصاد التنمية من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن. تركز اهتماماتها البحثية على إعادة الإنتاج الاجتماعي، وتقاطعات السياسات الكلية والاجتماعية، والاقتصاد السياسي في السودان. وهي ملتزمة بتعزيز المنظور النسوي في الخطاب الاقتصادي، ولها منشورات في مجلة أفريقيا النسوية. عملت سابقًا باحثة في معهد العدالة الاقتصادية (IEJ)، وهي حاليًا مسؤولة البرامج الرئيسية في جمعية اقتصاديات التنمية الدولية كجزء من فريق الاقتصاد النسوي.
تقوم بهذه المقابلة سارة قدورة، مديرة برنامج التعليم السياسي في مستقبل نسوية الجنوب.
س. ق: سبق لكِ أن تكلمتِ عن نوعًا معينًا من المعرفة تنتجه مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، حيث يتم نشر التقارير وخلق معرفة دون خضوعها لاستعراض نقدي من قبل الأقران والنظراء أو حتى التعليق عليها قبل نشرها. أود منك أن تشرحِ لنا “شروط التعاون” التي ذكرتيها، وهل يمكننا من خلال متابعة آلية “مشاركة المواطنين/ات” في الدول المُدينة أن نفهمها بشكل أفضل؟ وما هي الأسباب والعوامل التي تعيق من تفعيلها أو استخدامها؟
م.ح: سأبدأ بالجزء الثاني من السؤال المتعلق بآلية “مشاركة المواطنين والمواطنات”. من المثير للاهتمام مدى قدرة مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق البنك الدولي على التكيف مع المطالب والنقد العام. ففي فترات محددة شهدنا حراكًا غاضبًا ورفضًا واضحًا لسياساتها. ومع ذلك، نلاحظ إخماد هذه المؤسسات لهذه السردية وتقديم حلول جديدة تزعم أنها ثورية، ولكنها في الواقع تمثل فقط امتدادًا لسياسات السوق فيما يتعلق بآلية “مشاركة المواطنين/ات”.
شهدنا في فترات سابقة ضغوطًا على البنك الدولي، وذلك لعدم إشراكه لمنظمات المجتمع المدني في صياغة سياساته المتعلقة بالدول النامية. ترى منظمات المجتمع المدني أن هذا التعاون يجب أن يكون تعاونًا
حقيقيًا يتضمن تحديد مساحات محددة. من جهة أخرى، البنك الدولي ليس لديه أي نية حقيقية لخلق هذه المساحات، أو لخلق مساحات حول قضايا غير أساسية مثل زيادة دعم برامج التحويلات النقدية. ومع ذلك، تظل المشكلة الأساسية هي رفع الدعم وتخفيض قيمة العملة، خاصة في ظل نقص الحماية الاجتماعية.
من المثير للاهتمام أن أقرأ عن قرار الرئيس السوداني الحالي بإلغاء قوانين الشركات المتعلقة بمشاركة المواطنين. في حقيقة الأمر، لا أفهم تمامًا مضمون هذا القرار، ولا إن كان يمثل تراجعًا عن الإصلاحات السابقة أم أنه مقدمة لتطبيق آليات جديدة. على سبيل المثال، البنك الدولي يسعى إلى تطوير استراتيجية للتعامل مع الانتقادات الموجهة إليه، ومن المثير للاهتمام أن نرى كيف يتعامل البنك مع هذه الانتقادات وتحويلها إلى عناصر تدعم خطاب/سردية البنك الدولي.
س.ق: كان هناك تشجيع على دعم برامج التحويلات النقدية في السودان خلال السنوات الأخيرة. ما هو تحليلك لهذا؟ وكيف يمكن أن تكون الشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي قد شكلت الوضع الحالي في ظل الحرب في السودان؟
م.ح: هذا سؤال بالغ الأهمية. سأتناول الموضوع الأساسي وهو بلا شك سياسات خطط الإصلاح التي يتم تشكيلها بين الحكومة الانتقالية في السودان وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي تهدف بشكل أساسي إلى رفع الدعم عن السلع الأساسية مثل القمح والبنزين والكهرباء والأدوية.
برز في هذا السياق موضوع “برامج التحويلات النقدية” والتي كانت تسمى سابقًا باسم “الدخل الأساسي الشامل”. والتي كانت هدفها الأساسي هو ترويج أن المشكلة الأساسية تكمن في “المواطن الحضري” الذي يستفيد من الدعم بحصوله على البنزين والقمح مجانًا. وأن هؤلاء المواطنين الحضريين يتمتعون بوضع أفضل من نظرائهم في المناطق الريفية. ومع ذلك، فإن ذلك الطرح الذي يصور المواطن الحضري في الخرطوم على أنه أكثر امتيازًا من المواطن الريفي في دارفور أو كسلا، مع أنّ ادعاء أن جميع الموارد المالية تتركز في المناطق الحضرية فقط هو طرح غير دقيق. إن غياب الموارد المالية في المناطق الريفية هو نتيجة سياسات الخصخصة التي اتبعتها الحكومات السودانية على مدى العقود الثلاثة الماضية، وقد استمرت الحكومة الانتقالية في نفس النهج، مما أدى إلى انعدام وجود مصادر التعبئة المحلية. ونتيجة لهذه السياسات، تم رفع الدعم عن السلع الأساسية، مما أدى إلى ارتفاع في الأسعار، مع تلقي كل مواطن خمسة دولارات فقط بالشهر دون السماح بإبداء أي اعتراض.
في الوقت ذاته، و مع اشتعال الحرب في السودان، طالبت بعض القوى الثورية ولجان المقاومة، ومجموعة من الأحزاب السياسية، وبعضًا من الاقتصاديين بإتاحة المزيد من الشفافية حول الموارد في السودان، مشيرين إلى وجود موارد لكن دون أي معرفة عنها. فعلى سبيل المثال: عائدات تصدير الذهب، أو بالأحرى – تهريبه – إلى دولة الإمارات العربية المتحدة دون دفع أي ضرائب.
لا شك أن هناك فجوة كبيرة في عدم توفر البيانات التجريبية المتعلقة بالواردات والصادرات السودانية، والتقديرات تشير إلى فقدان البلاد ما يقرب من ٥ مليارات دولارًا سنويًا. حيث تذهب هذه الأموال بشكل مباشر إلى جيوب قوات الدعم السريع وتجار الذهب. ومن اللافت للانتباه هنا، الحملة الدعائية التي أطلقتها وزارة المالية مع وزير المالية الذى كان يشغل منصب في البنك الدولي سابقًا، والتي زعمت أن منظمات الدفاع المدني التابعة للقوات المسلحة سوف تتبرع بمبلغ ٢ مليون دولار للموازنة. إحدى الشكاوى الرئيسية للشعب
ضد نظام البشير هي أنه كان نظامًا قمعيًا شديد الفساد، بالإضافة إلى المشاكل الأيديولوجية. حيث كان الفساد الحكومي هو المشكلة الأساسية للمواطنين، فمن غير المنطقي أن تبقى هياكل الفساد قائمة دون المساس بها. في الوقت الذي تزعم فيه الحكومة عجزها عن توفير سلع أساسية مثل القمح والبنزين بسبب ارتفاع أسعارها.
لا يمكنني الجزم بشكل قاطع وتقديم رواية مضادة بأن السياسة الاقتصادية التي تلت الثورة كانت قادرة على تجنب الحرب في السودان، لكن من المؤكد أن جذور العديد من هياكل عدم المساواة الشديدة امتدت إلى حقبة ما بعد الاستقلال في الخمسينات، واستمرار هذه الهياكل من عدم المساواة مرتبطة باستخراج الموارد وسرقتها في المناطق الريفية، والتي غالبًا ترتبط بسبب كونهم مراكز عرقية وجغرافية واجتماعية ضيقة، مما يساهم في إعادة إنتاج هذه الهياكل. هناك أيضًا عامل آخر مرتبط بتكثيف السياسات النيوليبرالية، خاصةً بعد الأزمة العالمية في ٢٠٠٨ وبعد بعد جائحة كورونا، أثرت كل هذه الأحداث والتوترات بشكل واضح على دولة السودان، الذي تعتبر الآن دولة فاشلة إلى حد كبير، حيث لم يمر السودان بأي فترة زمنية خالية من الحروب أو الأزمات الاقتصادية. إضافة إلى ذلك الحرب التي اندلعت في ديسمبر ٢٠٢٣، والتي كانت حرب ذات طبيعة مرنة من حيث أنها اندلعت من مطالب واضحة بتوفير الخدمات العامة مثل المعاشات والغذاء، والدواء. تطورت هذه المطالب بشكل عفوي.
أعتقد لو كانت المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مؤسسات ديمقراطية حقَا، وليس ما هم عليه فعليًا، لكان عليهم الانخراط مع الحراكات الشعبية والتقدمية، بدلاً من الاكتفاء فقط بالتعامل مع التكنوقراط. أو على الأقل، لكان على التكنوقراطيين القوميين ذات أنفسهم عدم إعطاء الأولوية فقط لآراء صندوق النقد الدولي، دون إدراك المواقع المختلفة لدي التكنوقراط القوميين والمؤسسات المالية الدولية مواقع مختلفة. فيصبح الحديث مع وزير المالية هو نفس الحديث مع موظفي صندوق النقد الدولي، دون أي فرق. فهم يستلهمون ويتبنون نفس الموقف وكأنهم جزء من فريق واحد، وهذا أمر غريب لأننا بلا شك لسنا كذلك.
أعتقد أن تجاهل هياكل عدم المساواة قد أسهم بشكل كبير في أن منظمة مثل قوات الدعم السريع تتمتع بكل هذه القوة والقدرات مالية، والنفوذ السياسي الكبير في ظل سياق دولة وليدة. هذا يعكس فشلاً حكوميًا كبيرًا على المستوى الاقتصادي. حيث أتت الحكومة كالطرف الوحيد الأساسي الموجود، وقدمت حلولاً جزئية غير كافية، وغير ملائمة للسياق، دون أخذ في الاعتبار دور قوى أخرى كقوات الدعم السريع والتكوين القبلي. هذا النهج غير منطقي وغير واقعي بالمرة، وإذا كانت الحكومة غير مسؤولة بشكل مباشر عن اندلاع الحرب، فإنها تكون قد خدعَتْنا وأمتنا بقدرتها على إحداث التغيير، بينما فشلت في تحقيق أي تقدم يذكر.
س.ق: أتذكر جيدَا فيديوهات تصوّر جلسات التنظيم السياسي من قبل المجموعات الثورية وتركيز تلك الجلسات على الاقتصاد السياسي.
م.ح: بالفعل كان هناك الكثير من الجهود الشعبية، لا سيما الدور البارز للشباب والشابات اللاتي تراوحت أعمارهم بين ١٥ و ٢٤ عامًا. هذا الجيل الذي نشأ في أعقاب تراجع ازدهار النفط يعيش واقعًا اقتصاديًا مختلفًا تمامًا عن الجيل الذي سبقه. فقد كانت أعمارهم في حدود العشر سنوات في ٢٠٠٨ بعد انفصال جنوب السودان. على عكس الجيل السابق الذي استمتع بسنوات الازدهار النفطي في عامي ٢٠٠٧ – ٢٠٠٨، حيث كانت
الأسعار معقولة وقوة الشراء مرتفعة في المراكز الحضرية مثل الخرطوم، فقد عانى هذا الجيل من ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى المعيشة.
بلا شك عندما تراجع ازدهار النفط أدرك الناس عمق النظام الاستبدادي في السودان، لكن الأجيال التي نشأت في ظل هذا النظام هي التي فاض بها الكيل أولاً. أتذكر بوضوح أول تظاهرة خرجت من إحدى المدارس الابتدائية في مدينة عطبرة، عندما فوجئ الأطفال أثناء استراحة المدرسة بارتفاع سعر الساندوتش الذي اعتادوا شراءه بستة جنيهات إلى ثمانية جنيهات سوداني. هذه الزيادة في سعر الساندوتش أشعلت شرارة الاحتجاجات الشعبية. فمنذ تلك اللحظة، لم تتوقف المظاهرات حتى سقوط نظام البشير، بل استمرت حتى بعد الانقلاب العسكري.
أعتقد أن هذا الحراك مؤثر ًا للغاية في السياق السوداني، وعلى المستوى الإقليمي أيضًا. لقد كان حراكًا ضخمًا، لكنه واجه في الوقت نفسه هجمات من قِبل العديد من الأطراف المؤثرين على الساحة السياسية الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وقوات الدعم السريع، والقوات المسلحة السودانية، وحتى من قِبل سياسيين قوميين.
س.ق: أشكركِ على رسمكِ لهده الصورة الواضحة للعلاقة، التي ربما لا يمكنكِ الجزم بها بين القرارات السياسية والاقتصادية، والتي تؤثر بشكل شبه مباشر على المشهد السياسي فيما يخص الخلافات أو الصراعات في الدول، وكيف يمكن استغلال أي ضعف اقتصادي لدولة ما، ومثال على ذلك ما يحدث اليوم من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة.
ذكرتِ في الجلسة موضوع التخلف الجماعي عن السداد أو قرار عدم السداد الجماعي للديون كأداة محتملة يمكن استخدامها ضمن القارة الإفريقية. هل يمكنك أن تعطِ لنا سياق لذلك؟ وهل هناك سوابق تاريخية لمحاولات مماثلة بين دولة إفريقية؟ وما هي العوائق التي قد تواجه مثل هذه الخطة؟
م.ح: بالطبع، أول مرة سمعت عن هذا الموضوع كان من خلال رئيس منظمة المنتدى الإفريقي، والشبكة الإفريقية المعنيين بالديون والتنمية (AFRODAD)، وهي منظمة إفريقية معنية بشؤون الديون. شاركته شعوري بأننا محاصرات، فإذا أردنا الاستمرار في التعامل مع منظمات التمويل والنظام العالمي، يتوجب علينا السداد. وفي ظل أوضاعنا الاقتصادية، يصبح السداد أمرًا مستحيلاً، خاصة أن مواردنا مستنفذة ومسروقة مع القمع الذي نعيشه. سألته، ما هي الحلول الفعالة التي تتبناها المجموعات والمنظمات الناشطة في عالم الديون؟ فأجاب قائلاً: علينا أن نبدأ بالحل الأكثر راديكالية، وهو التخلف الجماعي عن السداد، أي اتخاذ قرار جماعي بعدم سداد الديون. وهذا يتطلب تنظيمًا بين الدول الأكثر مديونية، حيث يجب أن توافق نسبة ٥٠٪ على الأقل منهم على هذه الخطوة. المشكلة هنا تكمن في كونه قرار سياسي أكثر منه قرار اقتصادي، والسياق يؤثر في ذلك. فحين كان الناس يناقشون هذا الحل، كان هناك أيديولوجية سياسية محددة. على سبيل المثال، عندما تظاهر الناس في كينيا كان موقف رئيس الجمهورية يعكس هذه الأيديولوجية. ولكن هل تعتقدين أن الأنظمة السياسية في منطقتنا قادرة على التوصل إلى اتفاقية مشتركة مع الرئيس التونسي مثلاً؟ أعتقد أنه من المستحيل حدوث ذلك.
عندما نبدأ الحديث عن عدم سداد الديون كباحثات أو ناشطات، يجب أن نتحدث عن توجه سياسي، فنحن لا نعلم بالتأكيد ماذا سيحدث في الأسواق العالمية أو صناديق التحوط الخاصة إذا تم اتخاذ القرار بعدم سداد
الديون بشكل جماعي، لأن هذه الجهات تربح من وجود الديون. في الخمسة عشر أو العشرين عام الماضيين، تم خصخصة الديون بشكل كبير، مما يعني أننا لا نعلم حتى الآن إذا كنا مدينين لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية أم لشخص يدعى جون جالس في الهامبتونز ويمتلك صندوق تحوط خاص. في النهاية، الأمر يتعلق بالعلاقات السياسية أكثر من كونه قرارًا اقتصاديًا. فلا توجد معادلة اقتصادية يمكن لأذكى الاقتصاديين ابتكارها لتفسير تأثير هذا القرار بشكل كامل.
ولهذا السبب، إذا لم يحدث تغيير سياسي في القارة، أو حتى على مستوى الجنوب العالمي من حيث التوجه السياسي، فإن طرح فكرة عدم سداد الديون الجماعي سيكون أمرًا غير منطقيًا بل وقد يعتبر جنونًا. ومع ذلك هناك نقاشات مؤخرا حول أزمة الديون والإعسار. وكما ذكرت في الجلسة، من المستحيل أن مؤسسات مالية مثل صندوق النقد الدولي تعترف بأن المشكلة الأساسية هي تعسر وليست سيولة، فإذا اعترفت هذه المؤسسات بأن هناك مشكلة هيكلية عميقة فإنها ستفتح الباب أمام إمكانية اتخاذ قرار بعدم سداد الديون. هذا أمرًا ذو أبعاد سياسية بالدرجة الأولى.
س.ق: أستذكر هنا توماس سانكارا، كمثال على القادة السياسيين الذين قادوا حراكًا اقتصاديًا تضمن اختيارًا سياسيًا بعدم سداد الديون، إلا أنه تم اغتياله بعد فترة قصيرة.
م.ح: بالتأكيد، المسار واضح تمامًا كما هو الحال مع توماس سانكارا، وغيره من القادة الذين لقوا حتفهم في ظروف غامضة، فجميعهم تبنوا مواقف سياسية واضحة بشأن قرار عدم سداد الديون، واعتبروا أن الاعتمادية المالية أمرًا مرفوضًا.
س. ق: إليكِ أحد الأسئلة التي تم طرحها في الجلسة هو، ما رأيك في الخيارات التي تركز على مشاريع أصغر تسعى لبناء وتسهيل الاستثمار في الأعمال التجارية التعاونية التي يقودها العمال؟ هل يمكن أن تساهم هذه الخيارات في الخروج من دائرة الديون المستمرة؟
م. ح: بالنسبة لموضوع التعاونيات كحل بديل، أعتقد أن هناك قوة حقيقية في التعاونيات، ولكن علينا أن نتحدث أيضا عن التعاونيات خارج إطار الأرباح. من المثير للاهتمام أن نلاحظ كيف تمَّ دمجها بالكامل في أجندات التنمية السائدة، ولكن السؤال هنا إذا كانت التعاونيات ستحقق أرباحًا، فإلى ماذا سوف تتحول تلك الأرباح؟ وما هو المشروع السياسي الذي سينبثق منها؟ بالتأكيد نريد أن نرى المزيد من أشكال الملكية الجماعية، ولكن إذا تم إدارة التعاونيات على غرار المشاريع التجارية الخاصة، فإنني أشك في حدوث أي تغيير جذري. نعم التعاونيات قادرة على تقديم بديل هيكلي مختلف، لكن إلى أي مدى ستصل بنا؟
س. ق: هذا سؤال بالغ الأهمية. لقد كنت جزءًا من تعاونية في لبنان لفترة، وأنا على دراية بعمل تعاونيات مختلفة سواء كانت نسوية أو زراعية. لطالما كان هناك قلق حول كون عمل هذه التعاونيات تخلق فقاعات معزولة ضمن النظام الرأسمالي والسياسات النيوليبرالية، مما حد من تأثيرها خارج حدودها، وقلل من فعاليتها وقوتها.
سؤالي الأخير لكِ ميادة هو، برأيك كيف ساهمت شخصيات نسائية مثل كريستين لاجارد المديرة التنفيذية السابقة لصندوق النقد الدولي بين عام ٢٠١١ لعام ٢٠١٩، وكريستاليانا جورجيفا المديرة التنفيذية الحالية لصندوق النقد الدولي، من خلال عملهن ضمن صندوق النقد الدولي في تعزيز أجندة معنية بقضايا الجندر؟
م.ح: أعتقد أن وجود شخصيات مثل كريستين لاجارد وكريستينا جورجيفا لم يسهم بإضافات أو تغييرات جوهرية تجعل تلك المؤسسات المالية أكثر مراعاة للاختلافات الجندرية، ولكن بالنسبة لي الأكثر ضررًا هو أنهن لعبن دورًا في خدمة هذه المؤسسات من خلال تقديم أنفسهن كرموز أكثر شمولية وتطورًا، وكأنهن يجسدن التقدمية وتحمل المسؤولية تجاه السياق التاريخي. ومع ذلك فإن كل هذا ليس حقيقيًا بالشكل الذي نعنيه نحن. الجواب الأبسط هو من ناحية “التمثيل”، نعم، ولكن تمثيل لفعل ماذا؟ وأين؟
تتبع قضايا الاقتصاد السياسي النسوي في سياق الجنوب العالمي نهجًا نسويًا ليبراليًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى نقص التوثيق والأرشفة في مجال الاقتصاد النسوي والاقتصاد السياسي. أعاني بشدة من صعوبة العثور على قراءات ومصادر باللغة العربية أو مصادر إفريقية تتناول الاقتصاد الإفريقي النسوي.
بغض النظر عمن يترأس صندوق النقد الدولي، ففي النهاية هذه المؤسسة لم تقتصر على إلحاق الضرر بالسياسات الاقتصادية في بلدي وفي المنطقة وفي القارة، بل امتد ضررها من ناحية طول الأمد الذي قد يستغرقه الارتباط بها. حتى إذا تحدثنا عن الاقتصاد السياسي النسوي أو عن مواضيع مثل “الرعاية”، التي أصبحت مواضيع رائجة، فإن مؤسسة مثل “جايت فاونديشين” قد تناقش مفهوم “الرعاية”، وصندوق النقد الدولي قد ينشر ورقة مفاهيمية حول هذا الموضوع.
ولكننا كنساء من السودان أو فلسطين، نعلم جيدًا أن مشاكل نساء يقمن في نيويورك، مثل مشكلة عدم مساعدة الزوج في الأعمال المنزلية، لا تعني لنا الكثير. بالنسبة لنا، مفهوم “الرعاية” الذي تتحدث عنه مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي يختلف تمامًا عن المعنى الذي تحمله هذه الكلمة بالنسبة للنساء الفلسطينيات اللواتي يعشن تحت وطأة الاحتلال في المخيمات، أو المهاجرات السودانيات في مصر وأوغندا. بالنسبة لنا، الرعاية تعني شيئًا آخر تمامًا، وهي تتطلب فهمًا أعمق وأكثر ارتباطًا بواقعنا.
وأخيرًا من وجهة نظري، قد يكون تعيين نساء مثل لاجارد جورجيفا كمديرة تنفيذية لمؤسسات كهذه أكثر ضررًا من تعيين رجال بيض. بالإضافة إلى ذلك، أن مجالات تخصص لاجارد جورجيفا الفرعية لا ترتبط بأي شكل بقضايا الجندر.
س.ق: أشكرك بشدة ميادة، أود أن أعرف إذا كنتِ تريدين إضافة شيئًا لم نتطرق إليه، أو إذا كان لديكِ أي تعليق ترغبين في إضافته خلال الجلسة.
م.ح: أود أن أضيف أنه من الضروري التركيز على تعزيز علاقة المسؤولية لدى المؤسسات المالية الدولية حول دورها في حيواتنا، لا سيما في أوقات الأزمات مثل حرب السودان. ففي الوقت التي اندلعت فيه الحرب في الخرطوم، سارع موظفو هذه المؤسسات إلى إجلاؤها، وتصرفوا بحزم شديد فيما يخص مغادرتهم السودان. ففي الوقت الذي كانوا يعملون في السودان على رفع الدعم عن الشعب السوداني، متجاهلين تمامًا السياق الاقتصادي السياسي. تغاضوا عن دورهم كمؤسسات صارمة وأظهروا أنفسهم أكثر حيوية.
أتذكر جلسة نُظمت من قِبل وزارة المالية والمجتمعات المانحة، من ضمنهم مكتب الشؤون الخارجية، وشؤون الكومنولث والتنمية بإنجلترا (FCD0) وقد أطلقوا عليها “حوار مجتمعي”. في هذا الحوار تم دعوة خبيرًا
اقتصاديًا، والذي بدوره وصل إلى المكان بسيارته الفارهة وفي كامل أناقته، ليتحدث إلي مجموعة من الشباب والشابات، لم تتعد أعمارهم أوائل العشرينات عن فوائد رفع الدعم في السودان.
ألا يعتبر ذلك نوعًا من أنواع البروباغاندا؟
فجأة، وبدون سابق إنذار، تجد أن المؤسسة التي من المفترض أن تبذل العناية الواجبة وتلتزم بالبيروقراطية والشفافية، قد توافق على تنظيم هذه الحوارات المجتمعية من وراء الستار. ومع ذلك، عندما نتحدث عن مسؤوليات هذه المؤسسات المالية، وعن دورها في تحسين الأوضاع في السودان، نسمع دائمًا أن هذه الأمور تتجاوز نطاق ولايتها واختصاصها. يجب أن ندرك أن ولاية هذه المؤسسات المالية هي أن تدفع بصياغة أيديولوجية محددة للاقتصاد العالمي والمحلي. حيث تعتمد ولاية هذه المؤسسات في استمرار تعزيز صياغة أيديولوجية محددة تعتمد على الربحية والنظام الرأسمالي. لذلك، يجب أن نتعامل مع أي تعاون معها من خلال هذه العدسة.
ولكن أي نوع من أنواع التداعيات السلبية الناتجة عن هذا التعاون سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، فهو غير مهم، حتى وإن كانت حرب، فإن الهدف الأساسي هو الإجلاء. ربما تكون هذه تجربة شخصية، لكنني أتذكر أنني كنت أعمل مع السفارة البريطانية في مشروع قبل الحرب مباشرة، لن تصدقي مدى وقاحة وعدم ذوق موظفي السفارة البريطانية في ردهم عندما طلبوا السودانيين تمويلاً للإجلاء. بالطبع لأن الإجلاء كان مكلفًا للغاية، وتكلفته تقريبيًا ١٠٠٠ دولارًا للشخص الواحد. وسأل أحد موظفي السفارة مستنكرًا، كيف للسودانيين الحق في طلب مثل هذا؟
أتذكر أنني كنت أعمل أيضا في وزارة المالية لعدة أشهر عندما بدأت الحكومة الانتقالية بالسودان، في الوقت الذي كان فيه بعض الأمل في مستقبلها. في أحد الاجتماعات أبلغونا بحضور فريق متخصص في التواصل، كنت في ذلك الوقت جزءًا من فريق بحث يعمل على إجراء تقييم سريع لتأثيرات رفع الدعم. بالطبع كانت الحجة هي إذا وجدنا تأثيرات سلبية من خلال إجراء التقييم السري، فسوف نوقف رفع الدعم. لكن في الحقيقة، كان هذا مجرد ذريعة، ولم تكن هناك نية حقيقية للتوقف أو حتى لإجراء هذه البحث من الأساس، وفجأة، وجدت نفسي دون أن أعلم أحضر اجتماعات مع خبراء تواصل من لندن لمساعدتنا في وضع استراتيجية تصل بنا الإصلاح الحكومي، مما أكد لي أن قرار رفع الدعم كان قد أتخذ بالفعل. كان فريق التواصل موجودًا لمساعدتنا في صياغة رسائل حول كيفية شرح أن رفع الدعم عن البنزين سوف يحسن سبل معيشة الناس، ولكن هذا الأمر غير حقيقي ولا يمكننا إقناع الناس بخلافه. وفجأة وجدت نفسي في اجتماع تسويقي، لم يعد الأمر يتعلق بالاقتصاد أو بأي شيء يخص الوضع في السودان حينها. فقد تحول الأمر إلى حملة تسويقية بحتة.
فقد تحول الاجتماع لشيء لم أعد أفهمه، وعندما نفكر من حيث سيادة الدولة، هل يعقل أن حكومة ذات سيادة تتقبل وجود فريق تسويق لمساعدتها في تنفيذ خطتها الإصلاحية؟ إذا فكرنا حتى من ناحية هيبة الحكومة، فكيف توافق على إنشاء استراتيجية تسويقية لسياسة اقتصادية قومية؟ هذا شيء غير مقبول ولا يمكن تصديقه.
س.ق: ميادة يعطيكِ العافية، رأيتِ وعشتِ الكثير، شكرًا لكِ على طريقتك الرائعة في توصيف الأمور.
Interview edited by Sarah Kadry

Sarah Kadry (they/them) AR Sarah Kadry is a feminist researcher, translator, writer, and an organizer from Cairo. They earned their Master’s degree in Social and Cultural Anthropology from the University of KU Leuven in Belgium in 2023. They are actively engaged in grassroots and feminist organizing, focusing on nurturing linkages and networks across movements, and fostering alternative forms of transnational solidarity beyond borders. Currently, they are a freelance writer at South Feminist Futures. Previously, they worked as an Intercultural Mediator at Médecins Sans Frontières (MSF) in Brussels. Prior to that, they were a member of the Ikhtyar African feminist collective, which primarily focused on feminist production of knowledge in Arabic.