تتناول هذه المقابلة إمكانية مواجهة المراقبة، وتستكشف استراتيجيات المقاومة الفردية والجماعية، مؤكدة على أهمية فهم المراقبة كسلاح حرب وسياسة صناعية تتطلب مواجهة تتجاوز التقنيات الفردية لتشمل إعادة بناء التضامن والتحرك الجماعي ضد الشركات والدول المهيمنة. وفي سياق حرب الإبادة الجماعية على غزة، تسلط إسلام الضوء على كيف أن هذا الصراع لم يسرّع فقط وتيرة استخدام المراقبة والذكاء الاصطناعي كسلاح حرب، بل أعاد تشكيل هذا النظام العالمي، وكشف عن الترابط بين الجيوش والشركات والدور المحوري للولايات المتحدة في دعم النظام. تختم إسلام المقابلة بالنظر إلى تأثير التحالفات الاقتصادية وتبادل تكنولوجيا المراقبة بين دول مثل الإمارات والهند وإسرائيل على المنطقة، مع التأكيد على أهمية بناء حركات مقاومة عابرة للحدود الوطنية لمواجهة هذا النظام المتشابك والمعقد.

*إسلام الخطيب، باحثة فلسطينية ولدت ونشأت في لُبنان، تعمل حاليًا كمنسقة استراتيجية مشاركة في بناء المعرفة في “مؤسسة نور”، وتسعى للحصول على درجة الدكتوراه لاستكشاف المراقبة كمنهجية في الأوساط الأكاديمية وإنتاج المعرفة المناهضة للاستعمار في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. تُركز أبحاثها على المراقبة والفاشية الرقمية والجغرافيا السياسية للذكاء الاصطناعي. من أحدث أعمالها مقالها “ما وراء الغسيل التكنولوجي: سياسة الإمارات العربية المتحدة الصناعية للذكاء الاصطناعي كنظام أمني”، الذي نشر بالتعاون مع مؤسسة “AI Now”.


تقوم بهذه المقابلة سارة قدورة، مديرة برنامج التعليم السياسي في مستقبل نسوية الجنوب.

س.ق: ما هو برأيك الهدف النهائي أو طويل الأمد لنظام المراقبة/ رأسمالية المراقبة؟
إ.خ: من المهم جدًا أن نحاول التفكير في المراقبة كآلية بدلاً من نظام، أو كجهاز بدلاً من كونها شكلًا من أشكال الحكم. إن المراقبة هي البنية التحتية لشكل من أشكال الحكم الفاشية، وهي البنية التحتية للإبادة. لذلك، لا يمكن فصل الهدف النهائي

ولكن، الهدف النهائي من المراقبة ليس فقط التأديب، كما نعلم جميعًا بالمنطق (Foucauldian panopticon) – بل هو بالأحرى سحق الإمكانيات، لأن هياكل القوة والقمع قد شهدت هزيمة على يد هذه الإمكانيات تاريخيًا. تنشأ هذه الإمكانيات وتظهر كرد فعل مباشر من المقاومة التي تجبر هذه الأجهزة على التحرك بطريقة استباقية وتحذيرية. تهدف هذه الأجهزة إلى إخبار الناس بأنه مهما كان تخطيطكم سري، ومهما تمت مراعاة البروتوكول الأمني لديكم، فسوف نتقدم عليكم بخطوة. هذا لا يخلق سوى شعور بالتوهين وفقدان الأمل.

ناقشنا في خلال الجلسة أهمية مراجعة الاستراتيجية العسكرية لفهم المراقبة، ومن المهم بنفس القدر فحص الأدبيات الاقتصادية، وتحديدًا السياسات الصناعية. فإذا نظرنا إلى دول مثل الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، ألمانيا، وغيرها، سنجد أن سياستها الصناعية متاحة عبر الإنترنت وغالبًا ما تؤكد بشكل كبير على تطوير الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للمراقبة. وإذا نظرنا إلى الاحتلال الإسرائيلي، سنجد أن جيش الاحتلال بأكمله مبني على فكرة أنه شركة تصدير أسلحة ذات تقنية عالية يمكنها “القبض” على أي شخص، على الرغم من أن ذلك قد تم تحدّيه عدة مرات من قبل. مثال آخر وهو عندما يتعلق بالسياسة الصناعية المرتبطة بالطائرات بدون طيار أو المُسيّرات، فإن التركيز يكون على المراقبة.

ولذلك، علينا أن نفهم أن الهدف النهائي للمراقبة ليس فقط الاستباق والإخضاع، بل التركيز أيضًا على تحقيق الأرباح من خلال تعظيم البنية التحتية وترسيخ المراقبة ضمن السياسات الصناعية للاقتصادات. ويصبح الهدف الرئيسي بناء اقتصاد قائم على المراقبة، لتوليد رأس المال من الأفراد الخاضعين/ات للمُراقبة.

س.ق: هل برأيك هناك مجال للمشاركة في الحياة الرقمية اليوم والافلات في الوقت نفسه من قبضة المراقبة؟
إ.خ: أعتقد لكي نبدأ في مواجهة المراقبة، يجب ألا نفكر فيها كشيء نحاول الهروب منه، بل كشيء يجب أن نحاربه، لأنها شكل من أشكال “قمع التمرد” الموجودة لمحاربتنا. ولم يكن هذا الأمر أشد وضوحًا مما هو عليه في تاريخنا الاستعماري، وكذلك في واقعنا المستمر المناهض للاستعمار. تاريخيًا، أتقنت بريطانيا هذه الأساليب في الهند قبل تصديرها لفلسطين، كينيا، جنوب أفريقيا، وغيرها. سمح هذا التوسع التكنولوجي أيضًا للحتمية بالتسلل إلى طريقة تفكيرنا حول المراقبة والمقاومة، هذا ما يفعله قمع التمرد. لقد تم إيهامنا أن المراقبة لا يمكن هزيمتها حقًا، وأن الدولة المسلحة بتقنيات تنبؤية، قد تفوقت علينا بالفعل. إن الشعور بأننا مُراقبون في جميع الأوقات مُصمم لتجريمنا وتفكيك مجتمعاتنا وقطع علاقتنا بالعالم، فحتى السياقات التي نتحرّك عبرها مُبرمجة ضدنا، نتواجد في مُدن “آمنة وذكية”، بينما لا نملك منازل نعيش فيها. لكن الخوص مطولاً في ذلك الأمر دون تخيل واقع مغاير لا يخدم سوى السلطة.

غالبا ما تُناقش المراقبة عبر مصطلحات تقنية فقط، مع صياغة إجراءات مضادة حول الخصوصية وحقوق البيانات. ولكن ماذا عن الحرب؟ ماذا يحدث حينها؟ كيف نقاوم ما قد يتجاوز التشفير والشبكات الخاصة الافتراضية (VPNs)؟ هنا يصبح التاريخ ضروريًا. ولقد فهم الناس منذ وقتًا طويل، بشكل حدسي وجماعي، كيف نقاوم، سواء بتدمير مصانع الأسلحة، أو مواجهة الشركات، أو تكسير كاميرات المراقبة لحماية المقاومة والتي غالبًا ما تُصوَّر على أنها مجتمعات “هاربة”. هذه الأفعال تستحق الاهتمام. كما ينبغي علينا أن نتوخى الحرص بشأن اللغة المستخدمة لوصف المراقبة. ففي كثير من الأحيان، يقترب انتشار التحذيرات من المراقبة إلى تمجيد قوتها، فمن المهم إدراك أن المراقبة كسلاح و سياسة صناعية هي سياسة يجب مقاومتها، ليس فقط من خلال تطوير تقنيات جديدة، بل أيضًا من خلال ما نعرفه بالفعل، مثل إعادة امتلاك السرية كممارسة جذرية راديكالية – والتي كانت ممارسة شائعة بين الجماعات المسلحة من فيتنام إلى وجواتيمالا إلى فلسطين! وأيضًا إعادة بناء أشكال التضامن والتنظيم ضد الشركات والدول التي تقود هذه الآلات. نحتاج أن نرى المراقبة المضادة كتعطيل وليس كتجنب.

س.ق: برأيك، ما الذي يمكن استخلاصه من أكثر من سنة ونصف من الإبادة الصهيونية لغزة عن المرحلة الحالية من استخدام المراقبة والذكاء الاصطناعي كسلاح؟
إ.خ: لا يمكن فصل أي شيء هنا عن الحرب على غزة، ولبنان، واليمن، واستخدام المراقبة لاستهداف الناس. كما لا يمكننا الحديث عن كل هذا دون الحديث بشكل خاص عن هجوم أجهزة البيجر وما يعنيه من حيث مدى عمل الشبكات العابرة للحدود الوطنية في خدمة الرؤية الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة. فالاحتلال الإسرائيلي لا ينفصل عن رأس المال الخاص، هكذا يحافظ على نفسه ويستمر. نرى اليوم شركات تقنية، يديرها ضباط سابقين وحاليين في الموساد مثل، XM Cyber (التي اشترتها مجموعة شوارتز الألمانية)، و Thirdeye Systems (التي استثمرت فيها مقاولي الدفاع الإماراتي EDGE لتطوير وتسويق منتجات التعرف الكهروضوئية)، شركات تمد النظام العسكري الصناعي بشكل مباشر، وتخلق الشركات الصناعية بدورها فرصًا استثمارية جديدة، لتعزيز دورة ربح مستدامة ذاتيًا. هذا ليس صدفة، بل هو نموذج اقتصادي في أنقى صوره، يستخلص رأس المال نموذجًا جديدًا لنفسه من خلال الحرب المستمرة في المنطقة. لقد أصبحت الحروب مختبرات مفتوحة لخصخصة تقنيات وتكنولوجيا المراقبة.
وهنا نجد أن حرب الإبادة الجماعية على غزة لم تُسرّع هذا النظام فقط، بل أعادت تشكيله. تبني إسرائيل شكلاً جديدًا من أشكال رأس المال وتوليد الأرباح لم يسبق له مثيل وأكثر من ذلك، فقد كشفت أن الجيوش تعمل كامتدادات مباشرة للشركات التي تعمل في منطقتنا، مع وجود مكاتب وشركات فعلية متضمنة بداخلها. ومع ذلك، لن تتمكن هذه الشركات العمل لولا وجود قواعد الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وخارجها، التي تدعم وتعزز وتغذي حرفيًا هذه التقنيات. لا يمكننا مناقشة إسرائيل دون مناقشة الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية في بناء هذا النظام وتعزيزه.

س.ق: ما الذي تتوقعينه من أثر على المنطقة جرّاء التحالفات الاقتصادية والتبادل المعرفي لأجهزة المراقبة بين الإمارات، الهند، وإسرائيل؟
إ.خ: كل ما نناقشه هنا يدور في النهاية حول تعميق فهمنا للمراقبة كجزء من نظام هيكلي ومترابط، يشمل المراقبة، والسياسة الصناعية ومحور الأمن الوطني، والتي تُعد الركائز الجديدة لنظام الحكم. الخصخصة والاحتكار من قبل الشركات لا يعنيان أن

الشركات تحكمنا، بل أنها متضمنة داخل سياسيات الدول الصناعية، قد تتفق أو تتنازع بعضها البعض علناً، لكن سياساتها الصناعية، خاصة في أمور تتطلب تعاونًا مستمرًا مثل المراقبة. يمكن لأهداف المراقبة أن تدفع حتى الأعداء المفترضين إلى التحالف، لهذا السبب نرى في تكنولوجيا المراقبة شركات إماراتية تنفذ مشاريع أمريكية في سياقات معينة، بينما تنفذ شركات إسرائيلية عقود إمارتية في سياقات أخرى، وهذا أمرًا جوهريًا حيث يوضح أن الهيمنة لا تتبع دائمًا خصومات جيوسياسية مباشرة. لقد سمحت تقنيات المراقبة بالأخص، لدولة الإمارات العربية المتحدة أن تحدد موقعها كطرف مكافئ إلي جانب أطراف عالمين آخرين في الاستخبارات، وفي هذا المثلث، تصبح الشركات أجهزة أمنية، تخدم جميعًا المشروع الأكبر وهو التوسع اللانهائي للحرب. على سبيل المثال، الإمارات العربية المتحدة تعمل بنشاط منذ عام 2013 على توسيع بنيتها التحتية للمراقبة، وتمديد أنظمتها عبر جنوب آسيا وشمال أفريقيا وشرق أفريقيا. وقد اتبعت إسرائيل استراتيجية مماثلة، حيث وقعت اتفاقيات أمنية/دفاعية مع الأرجنتين، نيجيريا، كينيا، المغرب، وزيمبابوي، وغيرها من الدول لتعزيز أهداف سياستها الصناعية.
تعمل الشراكة التكنولوجية المتزايدة بين الهند والإمارات العربية المتحدة على تشكيل نظام جيوسياسي جديد. وقد أكد بيان الرؤية المشترك لعام 2022 بين رئيس الوزراء مودي، ومحمد بن زايد أن التكنولوجيا هي أساس تحالفهما، مع استثمارات في التكنولوجيا النظيفة والهيدروجين الأخضر والشركات الناشئة. وبحلول عام 2024 تعمقت الشراكة بين الهند والإمارات العربية المتحدة بشكل أكبر، وحظيت بالإشادة في الاجتماعات الرسمية في نيودلهي، بينما تحركت الولايات المتحدة لإضفاء الطابع الرسمي على وضع الإمارات العربية كشريك دفاعي رئيسي في عام 2024. إن طائرات “هيرون” الإسرائيلية المسيّرة، المصممة للمراقبة الجبلية، والتي تستخدمها القوات الهندية الآن في كشمير، لا تختلف عن الطائرات بدون طيار المصممة لمراقبة غزة ورصدها. فيتم ربط مناطق بأكملها ضمن جهاز أمني واحد مترابط.

س.ق: ما هي التغيرات القانونية/السياسية التي يمكن المطالبة بها، خاصة في ظل غياب أي تشريع يحمينا من قبل الدولة؟ وهل هناك أمثلة على استخدام استراتيجيات فعّالة لذلك في أماكن مختلفة بالعالم؟
إ.خ: نادرًا ما يتناول النقاش حول التكنولوجيا قوى العمل التي تدعمها، يعتمد قطاع التكنولوجيا الإسرائيلية الفائقة بشكل كبير على العمالة المهاجرة، وكذلك الإمارات العربية المتحدة والولايات الأمريكية المتحدة. علينا أن نواجه المراقبة بالاتحاد (العمل النقابي)، والرد على التجليات الأخرى للعلاقة المترابطة التي نعيش فيها.

هناك أمثلة على أنشطة وحملات تستهدف شركات الأسلحة والتكنولوجيا، وبينما أصبحت مقاطعة شركات التكنولوجية/التقنية المتواطئة شبه مستحيلة، فقد رأينا مجموعات تتحرك نحو فكرة أن المشاركة الفعالة في استدامة الاحتلال الإسرائيلي يجب أن تكلفهم ثمنًا باهظًا. أعتقد أن علينا تسليط الضوء على فكرة جعل الشراكات والتعاون مع إسرائيل أو تطبيع العلاقات معها مكلفًا.
من الناحية القانونية، لا أعرف ما الذي بإمكانه مساعدتنا محاسبة أو مساءلة الشركات هو أحد المسارات، لكننا نشهد نظامًا عالميًا انقلب رأسًا على عقب، فمن المستحيل أن نجد آلية تعترف بحقوق الأفراد الذي يتم اعتبارهم النظام الاقتصادي والسياسي قابلين/ات للتخلص منهم/ن أو إرهابيين/ات. ونحتاج أيضًا أن نجعل الروابط العابرة للحدود الوطنية أكثر وضوحًا. لن تعمل المراقبة بمعزل عن غيرها، فسيتم مراقبة مناطقنا كجزء من نظام سيطرة مشترك. ولطالما تُناقش التكنولوجيا من حيث الشراكات والتقدم، دون مواجهة من يبنيها، ومن يتربح منها، ومن يتم استهدافه من خلالها، فسنظل نحلل أشكال القمع والاضطهاد دون مواجهة

الشبكات نفسها التي تحميه وتؤمن استمراره. لذا نحتاج لمواجهته جماعيًا في السياقات المختلفة، والصفقات التقنية والدفاعية التي تتم بين الدول بشكل جماعي.


Sarah Kadry is a feminist researcher, translator, writer, and an organizer from Cairo. They earned their Master’s degree in Social and Cultural Anthropology from the University of KU Leuven in Belgium in 2023. They are actively engaged in grassroots and feminist organizing, focusing on nurturing linkages and networks across movements, and fostering alternative forms of transnational solidarity beyond borders. Currently, they are a freelance writer at South Feminist Futures. Previously, they worked as an Intercultural Mediator at Médecins Sans Frontières (MSF) in Brussels. Prior to that, they were a member of the Ikhtyar African feminist collective, which primarily focused on feminist production of knowledge in Arabic.